ابن تيميه
120
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
يصل إليه صلى اللّه عليه وسلّم تسليما ، وهذا بخلاف ما شرع عند قبر غيره ، لقوله : « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون ، ويرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين » . فإن هذا لا يشرع إلا عند القبور ، لا يشرع عند غيرها ، وهذا مما يظهر الفرق بينه وبين غيره ، وأن ما شرعه وفعله أصحابه من المنع من زيارة قبره كما تزار القبور هو من فضائله ، وهو رحمة لأمته ، ومن تمام نعمة اللّه عليها ، فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئا ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته ، ويطلب منه يوم القيامة ؛ لا شفاعة ولا استغفارا ولا غير ذلك ، وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة ، فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل في قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « ما من رجل يسلّم عليّ إلا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » واستحبه لذلك ، وبعضهم لم يستحبه ؛ إما لعدم دخوله ، وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة ، وهو الصلاة والسلام الذي لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد ، فإن هذا مما دلّ عليه الكتاب والسنة واتّفق عليه السلف ، فإن السلام المأمور به في القرآن كالصلاة المأمور بها في القرآن ، كلاهما لا يوجب الرد ، بل اللّه تعالى يصلّي على من صلّى عليه ، ويسلّم على من سلّم عليه ، ولأن السلام الذي يوجب الرّدّ هو حق المسلم ، كما قال تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [ النساء : 86 ] . ولهذا يردّ السلام على من سلّم وإن كان كافرا ، فكان اليهود إذا سلموا عليه يقول : « وعليكم ، أو عليكم » . وأمر أمته بذلك ، وإنما قال صلى اللّه عليه وسلّم : « عليكم » لأنهم قد يقولون : السام عليك . والسام : الموت . فيقال : عليكم ، قال صلى اللّه عليه وسلّم : « يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا » ولما قالت عائشة رضي اللّه عنها : وعليكم السام واللعنة ؛ قال : « مهلا يا عائشة ؛ فإن اللّه رفيق يحبّ الرفق في الأمر كله ، أو لم تسمعي ما قلت لهم - يعني رددت عليهم - فقلت : عليكم » « 1 » . فإذا قالوا : السام ، قال : عليكم . وأما إذا علم أنهم قالوا السلام فلا يخصون بالرد فيقال : عليكم ، فيصير المعنى السلام عليكم لا علينا ، بل يقال : وعليكم . وإذا قال الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وأمته لهم : « وعليكم » فإنما هو جزاء دعائهم وهو دعاء بالسلامة ، والسلام أمان فقد يكون المستجاب هو سلامتهم منا أي من ظلمنا وعدواننا . وكذلك كل من رد السلام على غيره فإنما دعا له بسلام ، وهذا مجمل ، ومن الممتنع أن يكون كل من ردّ عليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم السلام من الخلق دعا له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة ، فقد كان المنافقون يسلّمون عليه ويرد عليهم ، ويرد على المسلمين أصحاب الذنوب وغيرهم ، ولكن السلام فيه أمان . فلهذا لا يبتدأ الكافر
--> ( 1 ) تقدّم .